طاهر سليمان حموده

295

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

القوم جميعا في تحديد نشأة اللغة ، وباستثناء ابن فارس من اللغويين نستطيع أن نقول إن جميعهم لم يجزموا بكون اللغة وحيا وتوقيفا ، وبالرغم من أن القول بالتوقيف قد نسب إلى الأشعري فإن رأيه لم يحظ بتأييد أتباعه فإمام الحرمين ينقل عنه « أن العقل يجوز ذلك كله » « 1 » ، أي كون اللغة توقيفا أو اصطلاحا ، والغزالي يرى جواز القول بالتوقيف والاصطلاح ، ولا يرى حجة قاطعة للقائلين بالتوقيف في قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها « 2 » ، ومن ثم فالرازي يذكر أن المحققين لا يقولون بالتوقيف ولا بالاصطلاح وإنما هم « متوقفون في الكل » « 3 » . وابن جني الذي رجح كون اللغات اصطلاحية ، وذكر بعض النظريات في تفسير نشأة اللغة من كونها من أصوات المسموعات كدوي الريح وحفيف الأشجار ونحوها لا يستطيع أن يدلي برأي قاطع ، بل ينتهي إلى التوقف وعدم ترجيح أي قول من هذه الأقوال . ويتضح أن المعتزلة يقولون بالمواضعة والاصطلاح ويحاجون عن مذهبهم ، وأن القول بالتوقيف لم يصرح بنسبته إلى أهل السنة « 4 » ، بل أنكر بعضهم نسبته إلى الأشعري « 5 » . استطاع السيوطي أن ينقل خلاصة ما يتصل بهذا الموضوع عن اللغويين والأصوليين وأن يعرضه عرضا يتضح منه جميع المذاهب ، وإذا كان المحدثون كما رأينا قد مالوا بعد طول البحث والدرس إلى تنحية هذا الموضوع عن أبحاثهم ، فقد توصل بعض القدماء من قبل إلى نفس النتيجة ، وقد نقل السيوطي عن صاحب رفع الحاجب « أنه لا فائدة لهذه المسألة ، وهو ما صححه ابن الأنباري وغيره ، ولذلك قيل ذكرها في الأصول فضول » « 6 » . بيد أن السيوطي - لطبيعته النقلية - لم يصرح بموقفه من هذا المعترك ، ولم

--> ( 1 ) المزهر ج 1 ص 21 . ( 2 ) المزهر ج 1 ص 23 . ( 3 ) المزهر ج 1 ص 16 . ( 4 ) المصدر السابق ج 1 ص 20 . ( 5 ) نفس المصدر ج 1 ص 24 . ( 6 ) نفس المصدر ج 1 ص 26 .